المحيط الحيوي: النقطة العمياء في التجارة الدولية

تسعى الدول جاهدةً لإعادة توازن ميزانها التجاري. لكن خلف الأرقام المجردة يكمن أساس مخفي: الكوكب.

منذ أكثر من قرنين، تسعى الدول دون انقطاع إلى تحقيق الهدف ذاته: إعادة توازن ميزانها التجاري. تحرص الحكومات على تصدير أكثر مما تستورد، وترصد البنوك المركزية أسعار الصرف، وتتفاوض المنظمات الدولية على اتفاقيات التجارة الحرة. ويتجادل الاقتصاديون حول المزايا النسبية والتخفيضات التنافسية لقيمة العملات واختلالات الحساب الجاري.

تقوم هذه الهندسة الفكرية برمتها على هاجس واحد: معرفة من يربح ومن يخسر في التجارة الدولية. غير أن سؤالاً جوهرياً نادراً ما يُطرح.

من يدفع فعلياً ثمن هذه المنافسة الدائمة بين الدول؟

للوهلة الأولى، تبدو الإجابة بديهية: المستوردون يدفعون للمصدّرين، والمدينون يسدّدون لدائنيهم، والموازين التجارية تتكيّف تبعاً للتدفقات النقدية وتقلبات أسعار الصرف. بيد أن هذه الصورة مضلِّلة.

إذ خلف التدفقات المالية المرئية تتخفّى تدفقات مادية خفية: أطنان من المعادن المستخرجة، وطبقات مائية جوفية مستنزَفة، وتربة مُنهَكة، وغابات مُدمَّرة، وهيدروكربونات محترقة، وأنظمة بيئية متدهورة. في كل مرة تُحسّن فيها دولةٌ تنافسيتها بتصدير المزيد من مواردها، يُحوَّل جزء من إرثها البيوفيزيائي إلى أموال. وفي كل مرة تؤمّن فيها قوة كبرى إمداداتها من المواد الخام، تُستنزَف شريحة إضافية من المحيط الحيوي لتغذية هذا التنافس.

هكذا، لا تُجابه التجارة الدولية الشركاتِ والدولَ وحسب، بل تُجابه القدراتِ التجديدية للكوكب نفسه.

غرفة المقاصة الحقيقية لهذا التنافس ليست سوق الصرف الأجنبي، ولا صندوق النقد الدولي، ولا البنوك المركزية. إنها المحيط الحيوي. فهو يُمدّ بالموارد اللازمة لهذا السباق العالمي نحو التنافسية مجاناً، ويمتصّ المخلفات والانبعاثات الناجمة عنه مجاناً، ويتحمّل في صمت التكاليف المادية لنظام لا تقيس مؤشراته سوى التدفقات النقدية.

بهذا المعنى، غدا الكوكب وموارده الطبيعية الدافعَ الحقيقي الأول والأخير في التجارة الدولية.

كل عجز تجاري قابل لإعادة التمويل. وكل دين سيادي قابل لإعادة الهيكلة. وكل عملة قابلة للتخفيض. لكن لا توجد مؤسسة قادرة على إعادة تمويل طبقة مائية جوفية مستنفدة، أو استعادة تربة مدمَّرة في غضون سنوات، أو إعادة تكوين رواسب معدنية تشكّلت على مدى ملايين السنين.

هنا يكمن عمى النظام: يعتقد أنه يحكّم في المطالبات النقدية بين الدول، في حين يُنظّم في الخلفية التصفية التدريجية لرأس المال الوحيد الذي يقوم عليه كل نشاط اقتصادي.

موجز: أربعة إثباتات

يُثبت التحليل الترموديناميكي أن الموارد الطبيعية الخام ذات الإنتروبيا المنخفضة تُستخرج مجاناً من المحيط الحيوي؛ فقيمتها الترموديناميكية المتراكمة على مدى ملايين السنين لا تُحتسَب في الأسعار. ويُثبت التحليل النقدي أن التفاوت في أسعار الصرف يُضخّم النهب البيوفيزيائي. ويُثبت التحليل المالي أن الديون المقوّمة بالدولار تُحوّل الطبيعة إلى أصل الملاذ الأخير. ويُثبت التحليل الجيوسياسي أن التنافس الهيمني يجعل المحيط الحيوي مسرحاً لحرب دائمة تمتصّ كل تكاليفه.

المحيط الحيوي هو الدافع الأعلى، الصامت وغير المُحاسَب، في المنافسة التجارية الدولية. لا يرد ذكره في أي ميزانية وطنية. ولا تستطيع أي محكمة مصادرة أصوله بسبب التخلف عن السداد. وهذا الغياب لأي وضع اقتصادي رسمي هو ما يجعله الضمان النهائي للصرح التجاري العالمي — ضمان يمكن استدعاؤه إلى ما لا نهاية دون الحاجة إلى سداده، حتى يعلن المحيط الحيوي نفسه إفلاسه.

هذا ليس استعارة. هذه حقيقة مادية جارية.

Read the full article in English →

Jean-Christophe Duval

مشاركة LinkedIn X / Twitter