في الاقتصاد المعاصر، لا يدخل معظم النقد إلى التداول كهدية جماعية أو كأداة محايدة. إنه يدخل غالباً عبر القرض. عندما يمنح البنك ائتماناً، يخلق وديعة جديدة؛ وعندما يُسدد القرض، يختفي جزء من هذا النقد. لذلك يولد النقد الحديث محملاً بالتزام: يجب سداده.
هذه الحقيقة تغيّر كل شيء. فالنقد القائم على الدين لا يطلب فقط التبادل، بل يطلب مستقبلاً كافياً للسداد. إنه يربط الحاضر بزيادة لاحقة في الدخل، والإنتاج، والربح، والضرائب، والنشاط السوقي.
سيزيف النقدي
يشبه الاقتصاد هنا سيزيف: يدفع صخرة الدين إلى أعلى الجبل، وما إن يقترب من التوازن حتى تظهر ديون جديدة، وفوائد جديدة، وحاجات جديدة للسيولة. ليس الدين حادثاً خارجياً، بل آلية تشغيلية في قلب النظام.
كل فاعل اقتصادي يطارد التدفقات المستقبلية: الأسرة لسداد القرض العقاري، الشركة لسداد الاستثمار، الدولة لخدمة الدين العام، والبنك للحفاظ على ربحية الائتمان. هكذا يصبح النمو ضرورة بنيوية لا مجرد أيديولوجيا.
النمو كشرط للملاءة
عندما يعتمد الاستقرار المالي على قدرة الجميع على السداد، يصبح تباطؤ التدفقات خطراً نظامياً. إذا انخفضت المبيعات، ترتفع حالات التعثر. إذا تراجعت الضرائب، تتدهور المالية العامة. إذا انخفض الاستثمار، تتراجع فرص العمل. لذلك يضغط النظام كله نحو التوسع.
من هنا تأتي صعوبة تراجع النمو داخل بنية نقدية قائمة على الدين. فالدعوة الأخلاقية إلى الاستهلاك الأقل تصطدم بآلة مالية تحتاج إلى تدفقات أكبر كي تبقى الموازنات صالحة.
الفائدة والزمن
الفائدة ليست مجرد سعر. إنها طريقة لتنظيم الزمن. إنها تفترض أن المستقبل يجب أن ينتج أكثر من الحاضر. وكلما زادت كتلة الالتزامات، زاد الضغط على الأجيال المقبلة، وعلى الموارد، وعلى العمل البشري.
بهذا المعنى، الدين ليس فقط علاقة مالية بين دائن ومدين. إنه علاقة حضارية مع المستقبل: نطالبه مسبقاً بأن يدفع ثمن اختيارات الحاضر.
ما الذي يمكن تغييره؟
لا يعني نقد الدين إلغاء كل ائتمان. فالائتمان يمكن أن يكون مفيداً عندما يمول نشاطاً ضرورياً ومحدوداً ومتناسباً. المشكلة هي أن خلق النقد نفسه يصبح تابعاً للربحية الخاصة وللتوسع المستمر.
NEMO IMS يقترح الفصل بين جزء من خلق النقد وبين منطق الدين، عبر تمويل موجه للأنشطة التي تزيد متانة المجتمع والنظم الحية. لا ينبغي أن يكون كل نقد جديد مطالبة ربحية على المستقبل؛ يمكن أن يكون أيضاً استثماراً جماعياً في بقاء شروط الحياة.
الخلاصة
لن نخرج من عبادة النمو بمجرد خطاب أخلاقي. ينبغي أن نغير البنية التي تجعل النمو شرطاً للملاءة. ما دام النقد يولد أساساً كدين، سيبقى المجتمع يدفع صخرة سيزيف إلى أعلى الجبل. والسؤال السياسي الكبير هو: هل نستطيع خلق نقد يخدم الحياة بدلاً من أن يطالبها دائماً بالمزيد؟
Jean-Christophe Duval