مواءمة الحوافز الاقتصادية مع النزاهة البيئية بوصفها شرطًا ضروريًّا لإعادة تصنيعنا

يقترح هذا النصّ تأمّلًا في الأسباب البنيوية التي تحول دون هذا التوفيق، ويهتمّ خاصّةً بإعادة مواءمة الحوافز الاقتصادية مع التحدّيات البيئية الكبرى التي تواجهنا.

خلال أزمة كوفيد، تساءل كثير من مسؤولينا عمّا سنصنعه من تلك المحنة. وبعد سنوات قليلة، بينما صارت المضاربة مقياسًا لصحّة مجتمعاتنا، لم تُحلَّ أيٌّ من المشكلات المتعلّقة بالاقتصاد الحقيقي وبتبعاته الاجتماعية والبيئية.

سبب هذا المأزق يكمن في عجزنا عن اقتراح التحوّلات المؤسسية اللازمة للتوفيق بين المسائل الاقتصادية والإيكولوجية والاجتماعية. وعلى وجه الخصوص، ظلّ تنفيذ سياساتنا الصناعية حبيس إطارٍ غدا غير ملائم مع بروز التحدّيات البيئية.

يقترح هذا النصّ تأمّلًا في الأسباب البنيوية التي تحول دون هذا التوفيق، ويهتمّ خاصّةً بإعادة مواءمة الحوافز الاقتصادية مع التحدّيات البيئية الكبرى التي تواجهنا.

أولًا – النظر في المقترحات الاقتصادية الحيوية

تاريخيًّا، بُني علم الاقتصاد الحديث عبر انعتاقاتٍ متتالية من ارتباطه بالعلوم الأخلاقية. ومع ما سُمّي بالمدرسة النيوكلاسيكية (في أواخر القرن التاسع عشر) وجد في الميكانيكا العقلانية الأسس المعرفية والمنهجية التي كان يُفترض أن تُدخله في حقل العلوم. وهكذا صار تخصّصًا علميًّا مجرّدًا على نحوٍ متزايد، وشكّل الإطار الذي بُني فيه جوهر تصوّراتنا عن نموٍّ «بلا أرض».

ومع ذلك، كان من الممكن، منذ سبعينيات القرن العشرين، أن يُوضع هذا التصوّر موضع تساؤل مع بروز دورة أزماتٍ (لا تزال جارية) ونشر تقرير ميدوز (1972) الذي أبرز الروابط بين النشاط والموارد الطبيعية والديموغرافيا. لقد انفتح نقاشٌ، لكنّه أُغلق سريعًا بفضل البراعة الحقيقية التي أدمج بها الاقتصاديون في النموذج المعياري القيد المتزايد الوضوح المتمثّل في تدهور المحيط الحيوي. فباقتراح مفهوم «رأس المال الطبيعي» بوصفه تمثيلًا لمخزون الموارد الذي يوفّره الكوكب، على قدم المساواة مع العمل ورأس المال التقني، أُدمجت الطبيعة في نظرية الإنتاج النيوكلاسيكية التي صارت: Q = f(L, KT, KN)1. ومنذ ذلك الحين صارت الموارد الطبيعية قابلةً تمامًا للإحلال محلّ سائر العوامل (شريطة حسن سير الأسواق). وبالتالي، إذا نَدَر رأس المال الطبيعي (وارتفع من ثمّ سعره النسبي)، غدا من المناسب استبداله بأحد العاملين الآخرين اللذين صارا أكثر تنافسية، للحفاظ على تدفّق الإنتاج. وهكذا، بعد تجاوز مسألة الحدود الكوكبية، أمكن لأفق نموٍّ متواصل أن يعود إلى مركز نماذج التنبّؤ. وهذه الفرضية القائلة بالإحلال التامّ هي التي تسوّغ ما يُسمّى «الحلّ التقني» (التكنوسولوشنية)، المعتبر اليوم الحلّ المعجزة في نظر الاقتصاد المعياري.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ غالبية الاقتصاديين، طوال هذه الحقبة، تجاهلوا دروس كتاب The Entropy Law and the Economic Process [جورجيسكو-روغن، 1971]. ففي هذا الكتاب وصف المؤلّف الخطأ الجوهري للفكر الاقتصادي المعياري: لقد بُني علم الاقتصاد في إطار النموذج الآلي (نيوتن-لابلاس)، في عصرٍ كان فيه بروز البيولوجيا التطوّرية والثورة الديناميكية الحرارية يُدخلان نماذج أخرى تحوّل النظرة إلى صيرورة الطبيعة، وإلى الزمن اللارجعي، وإلى التغيّر النوعي داخل الاقتصاد.

تستند أعمال جورجيسكو-روغن إلى رؤيةٍ فيزيائية لعملية الإنتاج، تحتلّ فيها المادّة والطاقة موقعًا مركزيًّا. وأطروحاته الثلاث الرئيسية هي: 1/ يقوم إنتاج السلع والخدمات على تحويل تدفّقاتٍ من المادّة والطاقة؛ 2/ تخضع المادّة والطاقة لمبادئ الديناميكا الحرارية؛ 3/ تندرج نظرية الإنتاج في إطارٍ ديناميكي حراري. وبالتالي، إذا كانت الديناميكا الحرارية تشكّل إطار تجديد نظرية الإنتاج، فإنّ هذه الأخيرة تخضع لمبدأيها الأساسيين. أوّلًا مبدأ الحفظ الذي ينصّ على أنّ الطاقة تُحفظ حين تغيّر شكلها (لا شيء يضيع، لا شيء يُخلق، كلّ شيء يتحوّل). ثمّ مبدأ الإنتروبيا الذي بموجبه تسير التحوّلات في اتجاه تدهورٍ نوعيّ للطاقة. وبتوسيع هذين المبدأين ليشملا المادّة، اقترح جورجيسكو-روغن نظريةً جديدة – الاقتصاد الحيوي – يُعاد فيها إدماج الاقتصاد ضمن محيطه الفيزيائي (المحيط الحيوي).

دالّة الإنتاج الاقتصادية الحيوية: الطاقة والمواد يحوّلها رأس المال والعمل والأرض إلى منتجات ونفايات؛ والمنتج يصير في نهاية المطاف نفاية بدوره.
دالّة الإنتاج الاقتصادية الحيوية: الطاقة والمواد، إذ تحوّلها عوامل المخزون (رأس المال، العمل، الأرض)، تصير منتجاتٍ تتدهور هي نفسها في نهاية المطاف إلى نفايات. وفق ميسمر (2013).

اقتراح دالّة إنتاجٍ جديدة «تحت قيد الموارد الطبيعية». يقوم اقتراحه على التمييز بين عوامل التدفّق وعوامل المخزون. عوامل التدفّق هي أساسًا الموارد الطبيعية (R) في جانب المدخلات، والمنتجات (Q) والآثار الخارجية (W) في جانب المخرجات. ووفق المبدأ الإنتروبي، تتدهور عوامل التدفّق هذه نوعيًّا أيًّا كان الشكل الذي تتّخذه. أمّا الثانية، وهي أدوات التحويل، فهي الأرض (T) ورأس المال التقني (K) والعمل (L). ويمكن كتابة دالّة الإنتاج الجديدة هذه على النحو التالي: Q = f(R, W ; K, L, T). واستلهامًا من اقتراحٍ لأنطوان ميسمر (2013)، يمكننا تمثيلها كما هو مبيّن أعلاه.

النقطة الجوهرية في هذا الاقتراح المنهجي لا تكمن في مجرّد إضافة تدفّقاتٍ فيزيائية إلى عوامل الإنتاج التقليدية، أي رأس المال والعمل، بل في رؤية العلاقة التي تربط ما يسمّيه جورجيسكو-روغن عوامل التدفّق وعوامل المخزون. ففي دالّة الإنتاج الاقتصادية الحيوية، تُعدّ الطاقة والمواد مواردَ أوّلية لا غنى عنها لوجود وسائل الإنتاج نفسها. ولبناء المنشآت التقنية، يُفضَّل توافر موادّ جيّدة النوعية بأسعارٍ تنافسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطاقة. وتتوقّف إنتاجية العمل جزئيًّا على الظروف التي يُنجز فيها هذا العمل (الهواء، الماء، الغذاء، الحرارة، إلخ). ويقود هذا إلى استنتاجٍ مفاده أنّ الموارد الطبيعية لا ترتبط بسائر العوامل بعلاقة إحلالٍ، بل بعلاقة تكامل. وبالتالي، إذا وهنت إحداها، عانت الأخرى العواقب!

مع الثورة المفاهيمية للاقتصاد الحيوي، يفتح جورجيسكو-روغن آفاقًا جديدة لمواءمة الاقتصاد السياسي مع حقائق عالمنا الفيزيائي. ولم تعد المسألة تبدو مسألة تنظيمٍ للنموذج المعياري، بل مسألة الانتقال إلى نموذجٍ إنتاجيّ جديد، نموذجٍ أقلّ إنتروبيّة.

ثانيًا – الانتقال من النمو (إنتاج المزيد) إلى التنمية (إنتاج الأفضل)

بتشديده على الطبيعة البيولوجية للعمليات الاقتصادية، كان ألفريد مارشال قد أدرك سلفًا ضرورة مراعاة تقدّم البيولوجيا التطوّرية، ولا سيّما حين كان يتساءل عن مفهوم الوسط الصناعي. لكنّ هذا الحدس لم يُستأنَف إلّا قليلًا في ما بعد. ووحده شومبيتر، بمفهومه عن التدمير الخلّاق الذي يشبه عملية طفرة-انتقاء، اقترب منه [ميسمر، 2013]. وهنا أيضًا كان جورجيسكو-روغن هو من اقترح إدراج التخصّص الاقتصادي على خطى البيولوجيا التطوّرية. وفي هذا الإطار، لا يمكن للاقتصاد أن يتجاهل ما يشكّل جوهر الظواهر البيولوجية نفسها، أي تغيّرات طبيعة الكائنات وبنيتها. وسيعمل الاقتصاد الحيوي على مواءمة هذه المبادئ مع خصائص الاقتصاد واستخلاص خمسة دروسٍ رئيسية منها [بونايوتي، 2014].

1. يستتبع التغيّرُ في الحجم داخل بنيةٍ بيولوجية تعديلًا نوعيًّا في شكل الكائن. وخلافًا لمزاعم الاقتصاد المعياري، تُظهر دراسة تغيّرات مقياس النظم الاجتماعية أنّ الملاحظة نفسها يمكن أن تُسجَّل [فينيه، 2019]. وبالتالي، وفي سياقٍ مختلف بنيويًّا، يجب ألّا تسعى السياسة الاقتصادية إلى استعادة وضعٍ سابق.

2. تنبثق أنواعٌ جديدة من الخصائص مع كلّ ازديادٍ في التعقيد، ولا يمكن استنتاج فهم هذه الخصائص من ملاحظة المستوى الأدنى. فحين يتغيّر السياق (الدخول في وضع ما بعد النمو مثلًا)، يجب على أنماط التنظيم أن تتكيّف.

3. تبحث النظم الحيّة عن تسويةٍ بين غاياتٍ متعدّدة. ففي عالم الأحياء، متى بلغ حجمٌ معيّن، تسعى الأنواع والنظم إلى تنظيم/تثبيت حالتها. ولتحقيق ذلك تعمل على عدّة متغيّرات. وخلافًا لتعظيم الربح وحده لدى المنتِج، فإنّ ما يميّز عقلانية المنتِج في النظرية الاقتصادية الحيوية هو السعي إلى غاياتٍ متعدّدة.

4. المنافسة وحدها ليست أفضل حلٍّ لبلوغ الغايات. ففي سياق التوسّع تدخل النظم الحيّة عمومًا في منافسة. أمّا في سياقٍ مستقرّ، فإنّ السعي إلى التوازن سيُدمج التعاون بدل مجرّد المواجهة. وخلافًا لما تؤكّده النظرية المعيارية، فإنّ المنافسة التامّة الكاملة، في سياقٍ مستقرّ، لا تُنتج بالضرورة نتائج مثلى.

5. تملك النظم الحيّة القدرة على تكوين تمثيلٍ مشترك لمحيطها. وهذا التمثيل يتيح لها التفاعل مع إشاراتٍ مختلفة. وشأنها شأن سائر النظم الحيّة، لكن على مستوى أعلى من التأويل، تستطيع النظم الاجتماعية استخدام هذه المعلومات لتنفيذ أفعالٍ مشتركة تهدف إلى تعديل محيطها (في اتجاهٍ إيجابي كما في اتجاهٍ سلبي).

على هذه الأسس، ولمواجهة التحدّي الهائل المتمثّل في النهضة الصناعية لبلدنا، يقدّم الاقتصاد الحيوي إطارًا مفاهيميًّا قويًّا تنبثق منه خمسة مبادئ كبرى تشكّل منهجًا سنسمّيه «الصناعة الدائمة» (البيرما-صناعي).

هذا النموذج البيرما-صناعي، الذي يجمع بين السيادة والتماسك الاجتماعي واحترام الحدود البيئية، يبدو مزوّدًا بالخصائص اللازمة ليكون محرّكًا للنهضة الصناعية التي يرجوها صنّاع قرارنا. ومع ذلك لا بدّ من الاعتراف بأنّه لا يحتلّ اليوم سوى مكانةٍ متواضعة جدًّا في نظامنا الإنتاجي. وأسباب هذا الوضع الغريب يجب البحث عنها في منظومة تثمينٍ ما زالت تنكر الطابع الإنتروبي لاقتصادنا.

ثالثًا – فهم التناقض الذي لا يمكن تجاوزه في الرأسمالية التقنية المضاربة

يفرض البُعد الفيزيائي لعملية الإنتاج الانتباه إلى تدفّقات المادّة والطاقة التي تتيح صنع المنتَج النهائي. ونتيجةً للمبدأ الأوّل للديناميكا الحرارية، ستوجد «مدخلاتها الطبيعية» بالكمّية نفسها في نهاية العملية. لكنّ شكلها سيكون قد تغيّر، إذ بسبب المبدأ الثاني ستوجد في صورةٍ متدهورة نوعيًّا قياسًا إلى الموارد الأوّلية: ستصير في نهاية المطاف إمّا نفايات وإمّا تلوّثًا. ويبدو هذا التدهور المتواصل والمتسارع سببًا رئيسيًّا لتتابع الأزمات التي تصطدم على نحوٍ متزايد بطموحاتنا في النمو.

يبدو أفق الهبوط الهادئ يبتعد بمقدار ما يواصل الاقتصاد المهيمن إنكار طابعه الإنتروبي. لكن هل يمكنه فهم ذلك، والحال أنّ هذا الاقتصاد نفسه سانَدَ صعود الرأسمالية المضاربة منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، ما أوقع مجتمعاتنا برمّتها في فخّ الدَّين؟ يستند هذا الشكل الجديد من الرأسمالية إلى تغيّرٍ جذري في طريقة تمويل الاقتصاد عبر الأسواق المالية. والأهمّ أنّ المال يُحوَّل على نحوٍ متزايد عن الاقتصاد الحقيقي ليُستثمر في أنشطةٍ مضاربة، وهو ما دفع معهد البحث والمعلومات الاجتماعية والاقتصادية في مونتريال إلى القول: «في المنطق المالي، لم يعد على رأس المال أن يمرّ عبر التفاف الإنتاج كي يُثمر؛ فمجرّد تداوله يولّد خلق رأس مالٍ جديد. (…) إنّها المضاربة هي التي ترفع قيمة الأصل». والحال أنّ المضاربة والتسارع الاقتصادي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. فكلّما ارتفعت المبالغ الواجب سدادها، لزم مزيدٌ من النمو للقيام بذلك.

يرسم مبدأ التسارع هذا شكلًا جديدًا من التنظيم الاقتصادي. فتقليديًّا، كي يغتني المرء في الأعمال، كان عليه بناء مؤسسةٍ تحقّق أرباحًا تُقتسَم بعد ذلك مع المساهمين. أمّا اليوم فقد صار التحوّل إلى مؤسسةٍ مربحة مرحلةً اختيارية؛ فأصحاب رأس المال المخاطر والمؤسِّسون لم يعودوا حتى يحاولون إنشاء مشاريع مستدامة، وغايتهم بناء وعدٍ يجد مشتريًا له. ونموذج الشركة الناشئة (start-up) رمزٌ لمبدأ تسارع المديونية الذي يميّز هذا العالم الجديد. ويوجد مبدأ التسارع نفسه في جانب الاستهلاك، وهو ما يفسّر إدخال تقنياتٍ جديدة تهدف إلى توفير الوقت لنا [فينيه، 2021]. وفي المحصّلة، حين تبلغ الإيقاعات مثل هذه السرعة، لا يعود بمقدور الإنسان مجاراتها؛ وعندئذٍ يأتي دور الآلة لتدخل اللعبة. وهكذا يسوّغ التسارع صعود تقنياتٍ جديدة (كانت عديمة الجدوى سابقًا) كالذكاء الاصطناعي. لكنّ هذه الاستثمارات باهظة الكلفة، فيلزم من ثمّ الاستدانة أكثر فأكثر لمجاراة الإيقاع. وتُغلق الحلقة.

غير أنّ هذا التسارع، في سياقٍ ديناميكي حراري، غير قابلٍ للاستدامة. فهل يمكننا التعويل على عقلانية الفاعلين لاتخاذ القرارات الواجبة (أي التباطؤ)؟ بالطبع لا، لأنّ المؤسسات أسيرة الدَّين. فالقرار العقلاني هو مواصلة النمو، أسرع فأسرع دائمًا، وتوليد مزيدٍ من التدفّق النقدي لسداد الدائنين ومكافأة المساهمين. ولا تستطيع فعل غير ذلك، لأنّ قلّة من الحوافز تدفعها إلى التصرّف على نحوٍ مغاير. ويذكّرنا جان-كريستوف دوفال (2026)، مستعيدًا كلام رونالد كوز، بأنّ عقلانية المنتِج ستقوده دائمًا إلى النمو (ومن ثمّ إلى التلويث) لأنّه الوسيلة الأقلّ كلفةً للإنتاج ولإدارة نفاياته، ضمن منظومة أسعارٍ لا تُحمِّل أبدًا كلفة العملية الإنتروبية! والأزمات البيئية التي صارت اليوم يومياتنا هي النتيجة العقلانية لمنظومة أسعارٍ تُخفي الإنتروبيا، أو بالأحرى تنقل كلفتها إلى السلطات العمومية. وعلى هذه الأخيرة أن تستدين أكثر فأكثر لتحمّلها. وهكذا تكون المشاريع الأكثر توليدًا للإنتروبيا (النفط، مراكز البيانات العملاقة، الذكاء الاصطناعي، إلخ) هي أيضًا الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال. وبعبارةٍ أخرى، سيكون الاقتصاد الخطّي العالي الإنتروبيا بنيويًّا أكثر ربحيةً وتنافسية على الدوام من الاقتصاد البيرما-صناعي (الأدنى أثرًا).

يبدو تجاوز هذا التناقض – الذي يجعل من مصلحة المنتِج أن يلوّث بدل أن يكون فاضلًا – السؤالَ الكبير المطروح على سياساتنا الاقتصادية. والإجابة عنه ستمرّ حتمًا عبر إرساء آليّة تحفيزٍ قادرة على توجيه المنتِجين نحو حلولٍ متوائمة مع التحدّيات البيئية.

رابعًا – مواءمة الحوافز الاقتصادية مع النزاهة البيئية

في عهد الرأسمالية الصناعية، كان رأس المال المالي نادرًا. وبعد خمسين عامًا، تغيّرت طبيعة الندرات في الاقتصاد تغيّرًا جذريًّا. فرأس المال المالي صار اليوم مفرط الوفرة، بينما تتناقص الموارد الطبيعية بوتيرةٍ متسارعة. لا بدّ من الإقرار بذلك ووضع هذه الوفرة المالية الجديدة في خدمة التحدّي الوجودي المتمثّل في إعادة إدماج الاقتصاد ضمن محيطه الطبيعي. وهذا المشروع لا يقلّ تحويليةً عن التحرير المالي الكبير الذي أطلقته الولايات المتحدة في عهد رونالد ريغان مطلع الثمانينيات. إنّه مشروعٌ بعيد المدى، من صميم قراراتٍ قارّية على الأقلّ، بل عالمية. ولا يتحمّل الاستعجال مثل هذه الآجال، ولهذا – ولإطلاق الحركة – نقترح منهجًا عمليًّا يقوم، بدايةً، على استخدام أداةٍ قائمة: أسواق الكربون الطوعية، بوضعها مموّلًا من الدرجة الأولى لسلاسل قيمةٍ جديدة «منخفضة الإنتروبيا».

ولتحقيق ذلك، سيتعيّن على أسواق الكربون الطوعية هذه أن تعزّز مصداقيتها في مجال النزاهة البيئية وأن تمنح مكانةً وازنة للنماذج الصناعية الملتزمة بخفض الانبعاثات من المصدر.

i. استعادة الثقة في أسواق الكربون الطوعية. يمكن اعتبار هذه السوق إطارًا يلتقي فيه طلبٌ على خفض الانبعاثات بعرضٍ لخفض الانبعاثات. وهي تعني بذلك جميع الفاعلين الذين لهم، بشكلٍ أو بآخر، مصلحة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة. ويُتداول في هذه السوق أداةٌ مالية: رصيد الكربون (CC) الذي يقابل طنًّا واحدًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2eq) مُحتجَزًا أو مُتَجنَّبًا. وقد شهدت هذه الأسواق توسّعًا سريعًا، مدفوعةً بالتزامات الحياد المناخي. لكنّ نزاهتها البيئية باتت اليوم موضع تساؤلٍ من دراساتٍ عديدة [AFD، 2025؛ Chen Teo وآخرون، 2023؛ Guizar-Coutiño وآخرون، 2022؛ A.-P. West وآخرون، 2020]. والسبب هو الغموض الكبير بشأن القيمة البيئية الفعلية للمشاريع المولّدة لأرصدة الكربون. والحال أنّ هذه القيمة تحدّد السعر الذي يقيم، كما في كلّ الأسواق، الصلة بين المشترين والبائعين. وعلاوةً على ذلك، تضعف هذه القيمة بفعل الغموض المحيط بالسياسات المناخية. وباختصار، وعلى الحال الراهنة، يُحفَّز المشترون والبائعون على تفضيل أرصدة كربونٍ زهيدة، حتى وإن كانت آثار المشاريع المعنية محدودةً وغير مؤكّدة زمنيًّا ويصعب قياسها. وهكذا تميل السوق إلى إقصاء الأرصدة الأعلى جودةً بيئيًّا (والأغلى ثمنًا من ثمّ) لصالح أرصدةٍ أدنى جودة لكنّها زهيدة، تغدو تدريجيًّا مهيمنة، ما يقوّض الثقة العامّة. ولاستعادة هذه الثقة، يبدو لنا ضروريًّا العمل على مواطن الهشاشة الثلاثة الرئيسية في هذه الأسواق.

الأولى مرتبطة بتصميم السوق نفسه. فجلّ أرصدة الكربون المتداولة يقوم على سيناريوهات مرجعية غير مؤكّدة، كما أنّ خصائصها البيوفيزيائية المعقّدة تجعل تقييمها عسيرًا قياسًا إلى معايير النزاهة الرئيسية كالإضافية والتحقّق والديمومة [AFD، 2025]. والثانية تنبع من كون عدم تناظر المعلومات بنيويًّا في هذه الأسواق، ما يجعل جودة أرصدة الكربون عسيرة الملاحظة، قبل التبادل وبعده على السواء. فأيّ زبونٍ لشركة طيرانٍ يعنيه واقع إعادة التشجير التي سيكون قد أسهم فيها؟ ثمّ إنّ المشتري ونموذجه الاقتصادي نادرًا ما يتأثّران بإخفاق السلعة المقتناة، ما يحدّ من حوافزه على المطالبة بجودةٍ عالية. والثالثة أصلها الخصائص المعولمة، والأهمّ المُمَوَّلة سلفًا، لهذه الأسواق. فيها يتدخّل وسطاء يحولون دون أيّ علاقةٍ بين عارضي خفض الانبعاثات وطالبيه. وفي هذه الأسواق حيث تسود اللامبالاة والبُعد، للبائعين والوسطاء مصلحة في تعظيم الأحجام المتداولة، لا في جودة الأرصدة بالضرورة.

ومن ثمّ يبدو واضحًا أنّ تصميم هذه الأسواق لا يمكن اختزاله في الإطار النيوكلاسيكي الذي تغدو فرضياته – المعلومة التامّة والتوقّع المؤكّد – عديمة الفاعلية. إنّه يستدعي إعادة تشكيلٍ مؤسسي عميقة تهدف أوّلًا إلى تقريبها من «الاقتصاد الحقيقي». ويجب أن تفضّل إعادة التشكيل هذه وضوح الصلة بين المشترين (مُصدِري ثاني أكسيد الكربون) والبائعين (المقتصدين لثاني أكسيد الكربون)، وأن تندرج في منطق تعاونٍ في خدمة مصلحةٍ عامّة (كالسيادة الصناعية لإقليمٍ ما مثلًا). ومن هذا المنظور، يبدو إنشاء أسواق كربونٍ مُقلمنة ومترابطة سبيلًا قادرًا على استعادة تلك الثقة التي أضعفتها رداءة جودة الأرصدة المتداولة، والأهمّ إعادة إدراجها في أهداف السياسات العمومية الوطنية والإقليمية. وعلى غرار تعاونيات الكربون التي بدأت تنشأ في فرنسا، فإنّ تطوير منصّات تبادل الكربون التي تربط في الجوار طالبي خفض الانبعاثات وعارضيه من شأنه أن يتيح تصحيح بعض مواطن الهشاشة الراهنة (النزاهة، اللامبالاة، الوساطة، عدم تناظر المعلومات).

وإلى جانب العارضين والطالبين، من شأن مشاركة مختلف الأطراف المعنية (العمومية والخاصّة) في حوكمة هذه المنصّات أن يضمن الاتّساق بين هذه الأسواق والسياسات المحلّية. ومن جهةٍ أخرى، ولمّا كان تطوّر هذه المؤسسات مرتبطًا بقدرة النظام الصناعي المحلّي على توليد مزيدٍ من أرصدة الكربون الجيّدة، فسيكون لهذه المنصّات دورٌ كبير في تطوير سلاسل قيمةٍ بيرما-صناعية على أراضيها.

وبدعمها الأنشطة المنخفضة الإنتروبيا، ستشكّل أسواق الكربون الطوعية المُقلمنة هذه استجابةً مؤسسية لتحدّيات الكفاية في أنشطتنا الإنتاجية. لكنّ وجاهة هذه الاستجابة تقوم على تحوّلٍ آخر، داخليّ لهذه الأسواق: تحوّل هرمية حلول إزالة الكربون.

ii. تفضيل حلول التجنّب لمعالجة مشكلة الكربون من المصدر. حتى اليوم، تندرج محاسبة انبعاثات الكربون في النطاقات (scopes) الثلاثة التالية:

يُلاحَظ أنّ في الحالات الثلاث تُساءَل العمليات (الأكثر أو الأقلّ تلويثًا)، ولا يُساءَل بأيّ حالٍ الطابع الأكثر أو الأقلّ إنتروبيّة للحلّ الذي تطرحه المؤسسة في السوق. وهكذا، في الحدّ الأقصى، يمكن لمؤسسةٍ يكون نموذجها الاقتصادي نفسه (مفرط الاستهلاك مثلًا) عامل إنتروبيا عالية، أن تُظهر تقدّمًا كبيرًا في مجال انبعاثات الكربون بتغيير عمليةٍ ما مثلًا، وهي في الوقت نفسه تسرّع طرح منتجاتٍ قليلة الديمومة في السوق، أكثر عددًا على الدوام ومن ثمّ مولّدة لمزيدٍ من النفايات أو التلوّث بكلّ أنواعه. وهذا بالضبط موضوع الجدل الراهن الذي يقابل القضاء بمجموعة توتال إنرجي (TotalEnergies) بشأن أخذ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لدى زبائنها في الحسبان.

ولتجاوز هذه المشكلة، ومنذ سنواتٍ قليلة وبمبادرةٍ من بروتوكول غازات الدفيئة (GHG Protocol)، وُلدت فكرة نطاقٍ رابع (Scope 4) مرتبط باستخدام السلع والخدمات المنخفضة الكربون. ويتعلّق الأمر بالانبعاثات المُتَجنَّبة عبر استخدام منتَجٍ منخفض الأثر الإنتروبي بدلًا من آخر أعلى أثرًا. وفي هذا الإطار، مستخدمو الحلّ هم من يرون انبعاثاتهم تنخفض قياسًا إلى ما كانوا يستخدمونه سابقًا. وتكميلًا للإجراءات التي تنفّذها المؤسسات لخفض انبعاثاتها المباشرة وغير المباشرة، تتعلّق هذه الحلول بعرض المؤسسة نفسها. والأهمّ أنّ هذا الحلّ، قياسًا إلى منطق الاحتجاز، لا يسعى إلى تصحيح مشكلةٍ، بل يمنع حدوثها.

في هذا النهج، يُنظر إلى المؤسسة بوصفها فاعلًا مسؤولًا إزاء الحلول التي تنتجها وتسوّقها. وبهذا المعنى، يبدو مفهوم الانبعاثات المُتَجنَّبة أكثر نظميةً وتحويلية. وكثيرًا ما يُبرَّر ضعف الاعتراف الراهن بمنطق تجنّب الكربون هذا بمسائل منهجية تتعلّق بالحساب واحترام معايير النزاهة. ونرى أنّ هذا التأكيد قابلٌ للطعن في النقطتين معًا. فمقارنةً بالانبعاثات المُحتجَزة، تبدو الانبعاثات المُتَجنَّبة أكثر متانةً بكثير في مجال التقييم، لأنّ خفض الانبعاثات يُحدَّد، بحكم التعريف، بالمقارنة مع وضعٍ قائم (ذاك الذي سيُستبدَل)، وهو ما لا ينطبق على صيغة الاحتجاز التي تستند إلى سيناريو مرجعيّ افتراضي. أمّا معايير النزاهة، فلا يبدو أنّ أيًّا منها يطرح مشكلاتٍ يتعذّر تجاوزها. فالإضافية محترَمة بمعنى أنّه من دون تعبئة أرصدة الكربون يصعب أن يكون الحلّ الجديد تنافسيًّا، كما بيّنّا أعلاه. وكذلك لا ينبغي أن يطرح معيارا الديمومة وقابلية التحقّق صعوباتٍ خاصّة، ما دام الأمر يتعلّق بحلولٍ صناعية قابلة للتوثيق والتدقيق في كلّ حين. ولنُضِف ميزةً مقارِنة أخرى: لتجنّب الكربون أثرٌ فوري (لا يُرسَل الكربون إلى الغلاف الجوّي)، في حين لا تُنتج مشاريع الاحتجاز آثارها إلّا بعد سنواتٍ عدّة – بل عقودٍ عدّة – لاحقًا. وثمّة نقطة أخيرة تبدو لنا مهمّة: نقطة أثر الارتداد الذي قد يوازن المنافع الأوّلية للتجنّب. وهنا بالضبط تكمن كلّ أهمّية النموذج البيرما-صناعي المبنيّ بطبيعته على رؤية استبدالٍ لا زيادة.

في فرنسا، تحدّد المرحلة الثالثة من الاستراتيجية الوطنية المنخفضة الكربون (SNBC 3) مسارًا لخفض انبعاثات غازات الدفيئة حتى بلوغ الحياد الكربوني عام 2050. واحترام هذه الأهداف المتزايدة الإلزام مع الوقت (خفض الانبعاثات بنسبة 5 % سنويًّا) يفرض تفعيل روافع مختلفة، ينبغي أن تكون من بينها أسواق الكربون الطوعية المُقلمنة الجديدة هذه، القادرة على تدوير المال بين طالبي خفض الانبعاثات وعارضيه، متّحدين في طموح تطوير حلولٍ كفيلة بإبطاء الأثر الإنتروبي الملازم للأنشطة الصناعية في إقليمٍ بعينه.

وإذ تكون حاضرةً في كلّ أنحاء أراضينا ومترابطة، ستتمكّن أسواق الكربون الطوعية من الجيل الجديد هذه من ممارسة تأثيرٍ أوسع بكثير، وأكثر نظميةً بكثير، والأهمّ أقدر بكثير على إعادة مواءمة السياسات الاقتصادية المحلّية مع التحدّيات البيئية، من كثيرٍ من السياسات الاقتصادية التي تظلّ حبيسة نموذجٍ نيوكلاسيكيّ عفا عليه الزمن.

ملاحظات

  1. L = العمل ؛ KT = رأس المال التقني ؛ KN = رأس المال الطبيعي.
  2. يمكن تعريف الاقتصاد المتوسّط (الميزو-اقتصاد) بأنّه مقاربةٌ تُولي الأولوية لدراسة العلاقات المتبادلة بين شبكات الفاعلين.

المراجع

  • AFD (2025). Marchés carbone : quels rôles pour les acteurs publics, privés et multilatéraux ?, technical report.
  • Bonaiuti, M. (2011). From Bioeconomics to Degrowth. Georgescu-Roegen's "New Economics" in Eight Essays, Routledge Studies in Ecological Economics.
  • Chen Teo, H. et al. (2023). Uncertainties in deforestation emission baseline methodologies and implications for carbon markets, Nature Communications.
  • Duval, J.-C. (2026). L'Économie de l'équilibre. Monnaie, finance et limites planétaires, Debunk'Onomy.
  • Georgescu-Roegen, N. (1971). The Entropy Law and the Economic Process, Harvard University Press.
  • Guizar-Coutiño, A. et al. (2022). A global evaluation of the effectiveness of voluntary REDD+ projects at reducing deforestation and degradation in the moist tropics, Conservation Biology.
  • Meadows, D. et al. (1972). The Limits to Growth, Chelsea Green Publishing.
  • Missemer, A. (2013). Nicholas Georgescu-Roegen, pour une révolution bioéconomique, ENS Éditions.
  • Schumpeter, J.-A. (1942). Capitalism, Socialism and Democracy, French ed. Payot, 2025.
  • Venet, T. (2019). La désindustrialisation comme vecteur de vulnérabilité territoriale, Populations vulnérables, OpenEdition Journals.
  • Vignes, R. (2019). L'Impasse. Étude sur les contradictions fondamentales du capitalisme moderne et les voies pour les dépasser, Citizen Lab.
  • Vignes, R. (2021). L'accélération technocapitaliste du temps. Essai sur les fondements d'une économie des communs, Éd. R&N.
  • West, A.-P. et al. (2020). Overstated carbon emission reductions from voluntary REDD+ projects in the Brazilian Amazon, PNAS.

Renaud Vignes