منذ أكثر من قرنين، يدور النقاش الاقتصادي حول ثلاث كلمات تُقدَّم كبديهيات: العمل، والمال، والنمو. فالعمل مصدرُ كل ثروة، والمال يوفّر رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار، والنمو يضمن التقدّم الجماعي. لكن هذا «الثالوث المقدّس» يقوم على خلط جوهري: فالعمل ليس غاية، والمال ليس الثروة، والنمو ليس التقدّم. إنها مجرّد وسائل — وحين نعبدها بوصفها غايات، تكفّ عن أن تخدمنا وتبدأ في أن تأمرنا.
هذا النصّ ترجمة موجزة. النسخة الكاملة متاحة بالإنجليزية: Labor, Finance, Growth — The Holy Trinity of Capitalism
العمل ليس غاية
لا أحد يحلم بأن يعمل أكثر؛ نحن نعمل لتلبية حاجات: أن نأكل ونسكن ونتعالج ونتعلّم ونبدع. فإذا سمحت تقنيةٌ ببلوغ النتيجة نفسها بنصف العمل، فذلك تقدّمٌ منطقيًا. ومع ذلك يَعُدّ نظامنا اختفاء وظيفةٍ كارثةً، حتى حين ينجم عن تحسّن الإنتاجية. لقد انتهينا إلى الدفاع عن العمل بدل الدفاع عمّا يتيحه.
والسبب بنيويّ لا أخلاقيّ: إذ يمرّ الدخل حصراً عبر الوظيفة، فيصير فقدان العمل فقداناً لحق الوصول إلى الوجود المادي. وحين يختفي الوصول المباشر إلى موارد الحياة لصالح ملكية حصرية، يُضطر كلٌّ إلى بيع قوة عمله للوصول إلى ما كانت الطبيعة تقدّمه مجاناً. هذه تبعيةٌ اقتصادية يمكن تسميتها باسمها الصحيح: عبوديةُ أمرٍ واقع، لا عبوديةَ قانون — وليست الملكية الخاصة للموارد الحيوية واحتكار الفائض من تجاوزاتها، بل هي أساسها.
المال ليس الثروة
توحي الأسواق بأن الثروة يصنعها المالُ نفسه. لكن لا يورو يُطعم إنساناً أو يبني بيتاً أو يُنبت شجرة. المال ليس سوى نظام معلومات لتنسيق الأنشطة البشرية: لغةٌ لا تُؤكل، ووعدٌ لا يؤوي أحداً. وحين يصير المال غايةً في ذاته، يحوّل الموارد نحو المضاربة بدل تلبية الحاجات الحقيقية. والأصل المالي ليس إلا دَيْناً — مطالبةً بإنتاجٍ مستقبلي؛ وحين تتراكم المطالبات إلى ما يتجاوز ما يستطيع الاقتصاد الحقيقي إنتاجه، لا يخلق المال ثروةً بل ضغطاً للاستخراج أكثر وأسرع. والأدهى أن المال لا يعرف أن يقيّم إلا ما يدرّ عائداً سوقياً؛ أما ما هو ضروري وغير مربح فيصير خفياً اقتصادياً.
النمو ليس التقدّم
يجمع الناتج المحلي الإجمالي النفقات دون أن يميّز ما يُصلح الأضرار ممّا يحسّن الحياة فعلاً. فالتسرّب النفطي يرفعه، والكارثة المناخية ترفعه، والوباء يرفعه. إنه عدّادُ تدفّق، أعمى عن الاتجاه وعن المخزونات: يمكن لبلدٍ أن ينمّي ناتجه بينما يصفّي غاباته وتربته ومياهه الجوفية. بل إن الناتج لا يقيس ثروةً أصلاً، وإنما سرعةَ دوران النقود من يدٍ إلى يد: يورو واحد يتغيّر مالكه عشر مرات يُحسب عشراً، وغابةٌ عمرها ألف عام لا تُتداول لا تُحسب شيئاً. والخلط بين السرعة والثروة هو أن نأخذ الصخب مكان الازدهار. والنموّ — بوصفه زيادةً متصلة في تدفّقات المادة والطاقة — يصطدم بحدود فيزيائية؛ أما التقدّم (صحةٌ أفضل، معرفةٌ أوسع، أنظمةٌ حية متجدّدة) فلا سقف له.
تغيير البوصلة
لا يعاني زماننا من نقص العمل، بل من نقص تمويل ما هو ضروريّ وغير مربح: الوقاية، وترميم الأنظمة البيئية، والمشتركات، ومتانة الأقاليم، وصون الحيّ. ملايين الأيدي متاحة، وملايين المهام حيوية، لكننا نعجز عن وصل بعضها ببعض لأنها لا تدرّ العائد السوقي الذي يشترطه نظامنا المالي. والجوهريّ ليس «غير قابل للتمويل» بطبيعته، بل بحكم بنيةٍ نقدية ومالية عاجزة عن الاعتراف بقيمةٍ لا تتحوّل فوراً إلى عائد سوقي. وما صُمِّم يمكن إعادة تصميمه.
السؤال الحقيقي لم يعد «كيف نخلق مزيداً من النمو؟» بل: «كيف نصمّم نقوداً ومالاً قادرَين على صون شروط الازدهار الإنساني بشكلٍ دائم؟» فتفكيك الثالوث المقدّس لا يدمّر شيئاً، بل يكشف ما كان يحجبه: أن العمل والمال والنمو لم تكن قيمتها في ذاتها قط، بل فيما كانت تتيحه.
حين تبدأ حضارةٌ في عبادة أدواتها بدل أهدافها، تنتهي دائماً إلى تدمير ما زعمت أنها تحميه.
Jean-Christophe Duval